حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

203

التمييز

فصل وممّا قيل في الغنى قال اللّه تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى « 1 » ، أي رأى نفسه ، واستغنى مفعوله الثاني لانّه بمعنى علم ، ولذلك جاز أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين لواحد رآه أصله لان رآه أي لرؤيته نفسه استغنى ، كما يقال انكم لتطغون إن رأيتم غناكم ، وجاء في الحديث « الزاهدون في الدّنيا والراغبون في الآخرة هم الآمنون يوم القيامة » ، وقال عليّ كرم اللّه وجهه : الغنى مادّة البطر ، وأوصاف العبودية هي أخلاق الايمان وهي التي أحبّها اللّه من المؤمنين ووصفهم بها مثل الخوف والتواضع ، وترك العلوّ في الأرض والفقر مضاف إليها ، وأوصاف الربوبيّة ابتلى بها قلوب أعدائه الجبّارين والمتكبرين ، مثل العزّ والكبر وحبّ البقاء فالغنى مضموم إليها ، ومن اشتبه عليه أن الغنى أفضل لانّه صفة الحقّ . يقال له الحق غني بلا أسباب ، غني بوصفه لانفراده عن / 88 أ / الأسباب ، فإن كان اشتبه عليه من جهة المعنى لانّه إن كان فضل الغني على الفقر لأنّ الغنى معنى صفة الحقّ فينبغي أن يفضّل المتكبّر والجبّار ، ومن أحبّ المدح والعزّ والحمد لانّ كلّ ذلك معنى صفة الحق ، فلمّا أجمع أهل القبلة على ذمّ من كان ذلك وصفه كان الغنى في معناه . وقال أرستطاليس « 2 » : إذا أردت الغنى فاطلبه بالقناعة ، فانّه من لم يكن له قناعة فليس المال مغنيه وإن كثر ، ربح العمر العيش يوما بيوم . وقال لقمان :

--> ( 1 ) سورة العلق : آية ( 6 - 7 ) . ( 2 ) فيلسوف يوناني عاش في الفترة ( 384 - 325 ق . م ) ولد في استاغر في مقدونيا . وكان مؤدب الإسكندر وصديقه ، وهو مؤسس المدرسة المشائية . عيون الأنباء ، ص 86 - 94 ؛ طبقات الأطباء والحكماء ، ص 25 - 30 .